اسماعيل بن محمد القونوي

208

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الأرحام ولهذا اختاره المص مخالفا للزمخشري لكن هذا إنما يتمشى إذا فرض حصول الولد من ماء الأب فقط وهو قول مرجوح وأما على القول الصحيح وهو حصول الولد من المائين فادعاء التقديم المذكور مشكل وادعاء كون النطفة في الأصلاب على اطلاقه خفي أو نطفة الأم في الترائب إلا أن يقال حصول عمدة الجزأين يكفي في الاستقرار ونبه المص على أن مستقرا مصدر ميمي ومبتدأ خبره محذوف قوله في الأصلاب هذا بناء على أن الخطاب عام لهم حين كونهم نطفة في أصلاب الآباء وفيه خفاء والظاهر استقرارهم فوق الأرض ولو عكس في الذكر لكان أولى قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ [ البقرة : 24 ] الآية يؤيد المعنى الثاني . قوله : ( أو فوق الأرض واستيداع ) بمعنى مستودع ( في الأرحام ) لقوله تعالى : وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ [ الحج : 5 ] وهذا يقتضي العكس لكن لما كان حصول النطفة في الأب بذاته لا من قبل شخص آخر وفي الأم من قبل الأب وإن كان نطفتها بالذات اختار ما ذكره إذ هي كانت مشابهة في الوديعة في الرحم وباعتبار عمدة الجزأين وهي ماء الأب . قوله : ( أو تحت الأرض ) ناظر إلى قوله فوق الأرض والتعبير بالاستيداع للتنبيه على أنهم كالمستودعين في القبور لأن مصيرهم البعث والنشور لما كان مقرهم الطبيعي فوق الأرض عبر عنه بالاستقرار وعبر عن كونهم تحت الأرض بالاستيداع لكونه خلاف مقرهم الطبيعي ولهذا قال تعالى : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ [ البقرة : 36 ] . قوله : ( أو موضع استقرار ) أي فلكم موضع استقرار فيما ذكر من الأصلاب أو فوق الأرض ( و ) موضع ( استيداع ) فيما ذكر من الأرحام أو تحت الأرض رجح أولا كونهما مصدرين إذ كون موضع الاستقرار لهم إنما هو باعتبار الاستقرار فالمعنى أيضا فلكم موضع الاستقرار الخ ولم يلتفت إلى كون المراد بالمستقر الذكور وبالثاني الأنثى فالمعنى ح فمنكم ذكر ومنكم أنثى من حيث إن الصلب مستقر النطفة والرحم مستودعها لأنه خلاف الظاهر ومع ذلك يحتاج إلى ملاحظة المعنى الأول كما عرفته . قوله : ( وقرأ ابن كثير والبصريان بكسر القاف على أنه اسم فاعل والمستودع اسم مفعول أي فمنكم قار ومنكم مستودع لأن الاستقرار منا ) أي قائم بنا صادر منا كسبا بخلاف الاستيداع إذ لا مدخل لغيره ولو كسبا هذا بيان وجه كون الأول اسم فاعل والثاني اسم المفعول قوله فمنكم قار أشار به إلى أن الاستفعال بمعنى الثلاثي وكذا في المستودع كأنه طلب القرار والوديعة من نفسه وهذا في كل الاحتمالات . قوله : ( دون الاستيداع ) لأنه من اللّه تعالى لأنه أودعه في الأرحام أو تحت الأرض وقد سبق أن مقرهم الطبيعي على ما اختاره المص الأصلاب أو فوق الأرض بخلاف الأرحام أو تحت الأرض فإنه ليس كذلك فيناسب اسم الفاعل في الاستقرار واسم المفعول في الاستيداع وإلا فيمكن في كل منهما كما لا يخفى .